عبد الملك الجويني
270
نهاية المطلب في دراية المذهب
وحاصل القول يرجع عند هذا القائل إلى أمرِ بديع ، وهو أن المصلي مأمور بالتصوّن والتحفظ ، وإحضار الفكر والذهن ، حتى لا يتكلم ولا يفعل فعلاً كثيراً ، والأمر في ذلك مؤكد عليه حسب تأكد الأمر بالتشهد ، وإن سها وتكلم ، فالساهي على الجملة معذور غير مكلف في حالة اطّراده بسهوه ، ولكنه يؤمر بالسجود ، لتركه التحفظ عن الغفلات بإدامة الذكر ، فكأنَّ كلَّ سجوب منوطٌ بترك أمر مؤكد غير محتوم ، فالأمر بالتشهد وما في معناه من الأبعاض ، والأمر بالتحفظ إذا ظهر تركه والهجوم على منهي عنه من هذا القبيل . فلينعم الناظر نظرَه في ذلك ، وليعلم أن المعتمد عند هذا القائل تركُ ما يغير نظمَ الصلاة تغييراً ظاهراً ؛ فإنّ ترك التشهد الأول يغير النظمَ الظاهر المألوف في الصلاة ، كذلك تركُ التحفظ حتى يؤدي إلى تطويل ركن ، أو نقل ركن مما يغير النظمَ الواضح ، والشعارَ البيّن فتعلق به على الوفاق والخلاف السجود . وأما ترك تسبيح الركوع والسجود ، وتكبيرات الانتقالات ، والجهرِ في الجهري ، والإسرارِ في السري ، فلا تبلغ هذه الأشياء مبلغ تغيير الشعار الظاهر ، والنظم المألوف وقد خالف أبو حنيفة ( 1 ) في بعض ما ذكرناه ، فأثبت السجود في الجهر بالقراءة في الصلاة السرية ، وفي الإسرار بها في الصلاة الجهرية ، وسبب مصيره إلى ذلك تغيير الشعار . 1017 - وقال أبو حنيفة ( 2 ) : على من ترك التكبيرات الزائدة في صلاة العيد السجود ، وكنت أود أن يصير إلى ذلك صائر من أصحابنا ، من جهة أن التكبيرات الزائدة في صلاة العيد قريبة الشبه بالقنوت في الصلاة المختصة بالقنوت ، ولكن قد ينقدح في ذلك فرق لا بأس به ، وهو أن التكبير في يوم العيد من شعار اليوم ، ولذلك
--> ( 1 ) ر . بدائع الصنائع : 1 / 166 ، تحفة الفقهاء : 1 / 396 ، مختصر اختلاف العلماء : 1 / 275 مسألة : 229 . حاشية ابن عابدين : 1 / 498 . ( 2 ) ر . مختصر الطحاوي : 30 ، بدائع الصنائع : 1 / 167 ، مختصر اختلاف العلماء : 1 / 275 مسألة : 229 ، تحفة الفقهاء : 1 / 395 .